الزواج

الزواج اختيار

عدد المشاهدات الكلي 6,541 , عدد المشاهدات اليوم 6 

  يعتبر الزّواج نقطة تحوّل مهمّة في حياة الإنسان، فهي المرحلة التي تنقل الإنسان من مرحلة العزوبيّة إلى مرحلة الشّراكة الحقيقيّة مع إنسان آخر، ويختلف النّاس فيما بينهم في كيفيّة الوصول إلى هذه المرحلة، فمن النّاس من يسلك الطّريقة التّقليديّة في البحث عن الزّوجة حيث يتولّى الأهل هذا المهمّة. بينما يحبّذ آخرين أن يبحثوا بأنفسهم عن شريك حياتهم، وفي كلّ الأحوال تكون مسألة الزّواج هي عبارة عن اختيار وفي نفس الوقت حظّ ونصيب وقدر،

فكيف يتمّ التّوفيق بين الاختيار في مسألة الزّواج ونصيب الإنسان وقدره المكتوب مسبقًا؟

  قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم : ٢١ القدر والتخيير ممّا لا شكّ فيه، أنّ الله سبحانه وتعالى قد كتب كلّ شيءٍ قبل أن يخلق السّموات والأرض، فقد خلق الله أوّل شيءٍ وهو القلم وقال له: اكتب ما هو كائن إلى قيام السّاعة، ومن بين ما هو مكتوب ومقدّر على الإنسان جميع سلوكه واختياراته في هذه الحياة الدّنيا ومن بينها مسألة اختيار الزّوجة، وبالتّالي فإنّه لا يوجد تعارض بين نصيب الإنسان وقدره في الزّواج من امرأة معيّنة. ومسألة الاختيار النّابع عن إرادة الإنسان من جهة أخرى، فالإنسان يستشعر حرّية الاختيار حقيقة في حياته عندما تراه يبحث عن الزّوجة الصّالحة التي تناسبه وتشترك معه في صفاته، وكذلك الحال مع المرأة التي تختار شريك حياتها من بين قائمة الرّجال الذين يتقدّمون لها. وإنّ حقّ الاختيار الكامل هذا ينبغي أن يكون حجّة على الجميع بحيث لا يجد إنسان عذراً في أن يلقي عثراته وخيبة سعيه وسوء اختياره على النّصيب والقدر ذلك أنّه امتلك حرّية الاختيار منذ البدء فاختار نصيبه بمشيئة الله سبحانه وتعالى وعلمه.

الزواج قدر واختيار معاً.. وعلى الإنسان أن يحسن الاختيار وأن يكون مسؤولاً عن اختياراته، فإن كان ناجحاً فهو بفضل الله وتوفيقه، وإن فشل فهو من النفس والشيطان وسوء الاختيار. 

كثيراً ما يتردّد على ألسنة النّاس عبارة يلقون فيها اللائمة على النّصيب عندما تفشل علاقاتهم الزّوجيّة بقوله هذا نصيبه أو هذا نصيبها، والحقيقة التي لا مراء فيها أنّ الأمر يعود إلى الإنسان وطريقة اختياره لشريك حياته وهل سلك المنهج الصّحيح في الاختيار أم لا.

فإنّ الإنسان ينبغي أن تكون له أسس ومعايير عند اختيار شريك حياته بعيدًا عن العشوائيّة والهوى، بحيث ينظر في حال من يرغب الارتباط به وينظر هل تلائم صفاته؟

كما ينظر في نسبة القواسم المشتركة بينها مع مراعاة أسس الكفاءة في التّعليم، والثّقافة، والعمر وغيرها والتي أثبتت كثير من الدّراسات أنّها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند اختيار الشّريك المناسب، فالزّواج إذن وإن كان مقدراً من عند الله تعالى فإنّه في الوقت ذاته علاقة مبنيّة على الاختيار الكامل والإيجاب والقبول

اختر الشريك الذي يناسب احتياجاتك

ربّما يبدو العنوان مثيراً للدهشة فكيف يكون الزواج مبنياً على احتياجات تبدو مؤقتة أحياناً.. لكن في حقيقة الأمر هو مبدأ مهم في فهم واقعية طلباتنا اللامتناهية، هناك من يرى الحياة تتمثل في زوجة جميلة ولايهمه مقدار العلم والثقافة العالية، هناك من يريدها للإهتمام به وإطعامه وغسيل ملابسه، هناك من يتزوج لهدف الانجاب، هناك من تريد زوجا ثريا أو تقيا أو وسيماً، هناك من تريد رجلاً مثقفاً أو متعلماً أو ذو منصبٍ.. اقرأ أيضاً: العزوبية قرار

الأهم أن يحدد المرء ماذا يريد من زوجه /زوجته، ولماذا ارتبط بهذا الشخص تحديداً، ويبقى ثابتاً على اختياره دون أن يحمّل الآخر مسؤولية تحقيق رغبات ومواصفات  لم تكن فيه قبلاً، وأن يتحمل نتائج هذا الاختيار حتى ولو كانت مزعجة.

أما أن يتم الاختيار ظاهرياً لشيء ثم يرغب في تحويله حسب ما يريد وتغيير شخصيته، لتتناسب مع طباعه فهذا استعباد باسم الزواج يدفع ثمنه الطرف الأضعف تحت مسمى المحبة تارة أو تحت التهديد بالتخلي والترك. “بشكل عام، من يبحثون عن شريك لسد الفراغات، أو ماكنة صرف آلي، أو طرف يتكلون عليه ليحقق لهم أحلامهم الخاصة، أو يبنى لهم ثقتهم المهزوزة بأنفسهم.. لم يفهموا الهدف الحقيقي من تلك العلاقة السامية، والميثاق الغليظ تعلمنا الحياة أن نبحث عن شركاء نثق بهم، نتفاهم معهم ونشعر تجاههم بالحب والحنان والصداقة.

الارتباط ليس علاجاً لمشاكلك المادية والنفسية وليس تقليداً أو فرض واجب اجتماعي

الارتباط هو أنشاء رابط إنساني هدفه إشباع الحاجة للحميمية”

“ألا تموت وحيداً، أن تنشغل عن مرور الزمن وأثره فيك، أن تغذي قلبك بالذكريات، أن توثق وجودك في عينين إنسان آخر يشاطرك تجربتك في الحياة، الارتباط هو أن تنظر في عيني شريكك، ليس في جيوبه، وتعرف أن لوجودك قيمة عنده، أنه يراك ويفهمك ويشعر معك، أنه يعيش معك الحاضر وأنكما مرتبطان روحياً بحبل سري”

اختيار الفرد أم اختيار الأهل

الاختيار قد ينتج عن رغبات نفسية داخلية وميول نحو نوعية معينة من الفتيات، وفي حين تتوافق رغبات الوالدين مع ابنهم وقد تختلف وهنا يحصل الإشكال بينهما. فأحيانا يرى الأهل مالايراه ابنهم من عدم التوافق خاصة إن كانوا من أصحاب الوعي والاختيار الصحيح .. “عندما يختار الأهل فهم يأخذون بعين الاعتبار معايير مختلفة عن الابن، الابن الذي يختار بنفسه يبحث غالباً عن توافق بينه وبين زوجته، أما الأهل فهم في أغلبهم وليس الجميع، يبحثون عن زوجة جميلة بمواصفات معينة (عن عائلة وطبقة اجتماعية تناسبهم، عن صفات قد لاتهم الرجل رغم أهميتها أحياناً، لذلك جلسة تفاهم وحديث ودي يوصل لنهاية سعيدة بشرط انفتاح كلا الطرفين على آراء الآخر “

بعض الأهالي ما فلحوا بإقامة علاقات جيدة وصحية بين الأب والأم أو بين الأم وولدها، فكيف تنجح باختيار زوجته حين يكبر الشاب ويرى والديه في علاقة مضطربة، ويعرف أن والدته لها نظرة مختلفة عن نظرته في الحياة فهو حتما لن يثق باختيارهما.

حين يبتعد الشاب عن أهله شهوراً وسنوات منقطعاً في عالمه لم يعد يعرف أهله ولا يعرفونه ويجهلون تغيراته الفكرية وميوله ونفسيته والظروف التي مر به، وحين يأتي وقت الزواج فهم يخرجون فجأة ليستعرضوا معرفتهم به فهو حتماً لن يثق باختيارهم.

– تحتج كثيرٌ من الأمهات أن ابنها لا يحسن الاختيار وهي في هذا تقدح في تربيتها له لأن معنى كلامها وجود خلل في عقله وذوقه واختياراته.

– فإن كان اختياره خاطئاً فمعنى هذا أن هناك خللاً في التربية من الطفولة لم يتعلم فيها الفرق بين الصواب والخطأ وبين السيء والحسن وبين المناسب له والمضر.  ومن المفترض أن يثق الأهل باختيار ابنهم بعدما تعبوا في تربيته ما يقارب الربع قرن أو يزيد. ليس كل اختيارات الأهل خاطئة خاصة لو اختاروا الفتاة من المواصفات التي يريدها الابن وليست التي يريدونها هم، وليست كل اختيارات الابن صحيحة خاصة لو لم يكن من النوع الذي يفهم نفسه جيداً ويعرف ماذا يريد أو كان من النوع الذي يؤثر فيه رأي وكلام الآخرين.  

الاختيار والخبرة

الاختيار لا يشترط فيه الخبرة، يشترط فيه النضج والعقل والتوافق والقبول. الواقع أن الاختيار يأخذ الاعتبار العام فقط ولا يلتفت للخاص بين الزوجين ويفترض أن تكون هناك مرحلة خطوبة للتدارس والاكتشاف لكنها غالباً تنقلب للحب والعشق والهيام. وبعد الزواج تتكشف الحقائق، ويظهر عدم التوافق والانسجام، أو الاختلاف الكبير بين الثقافتين والمجتمعين الذين قدما منهما، لكنهم قد تزوجا فماذا يفعلان سوى المضي بهذا الطريق باعتباره ( قدراً ونصيباً).

الإجبار الخفي

بعض ممن يعترض على فكرة الاختيار يحتج بأنه تم إجباره على الزواج بشكل أو بآخر، فهو يجد نفسه محكوماً بعدة عوامل، منها رغبة الأهل وإصرارهم وربما بعض إجبارهم، وهذا يؤكد أن الزواج لو لم يكن اختياراً فلا معنى أن يكون هناك صلاة استخارة، أو إيجاب وقبول، ولا معنى أن يكون هناك شهود، كما أن الزواج علاقة مؤقتة مرتبطة بعقد شرعي يمكن إنهاؤه بالطلاق، أو الفراق بالموت، ويمكن استبدال زوج مكان زوج، وهذا كله يؤكد أن الزواج اختيار وليس إجبارياً يجب أن يبقى ويستمر ويدوم دون رغبة من الطرفين، ولا يجب أن يبدأ بدون موافقة الطرفين.
“لا تُنكحُ الثيِّبُ حتى تُستأمرَ ، و لا تُنكحُ البكرُ حتى تُستأذنَ ، و إذْنُها الصموتُ” حديث صحيح.
فيجب على الأهالي أن يستمعا أولاً لرغبة الطرفين، ويساعدونهم في الاختيار الصحيح والتوجيه والنصح، والدلالة على من يجدونه مطابقاً لمواصفات الابن أو الابنة، و يتركون للأبناء بعدها حرية القرار والاختيار النهائي بلا إجبار ولا إكراه، فالزواج حياة كاملة يعتريها ما يعتري الحياة من مشاكل وأكدار.
فإن لم يكن الإنسان مرتاحاً في بيته وأهله ومع زوجه! فأين يجد راحته بعد ذلك؟

كيف يمكنني أن أعرف أن اختياري أقرب للصواب؟

من أحسن ما يفكر به الإنسان هو الاجتهاد بالممكن والمتاح، مع التوكل على الله ثم الرضا بما يحصل بعدها
معايير الاختيار أساسها هذه القاعدة: القبول، الشخصية، حسن الخلق، طيب المأكل، أداء الفرائض، اجتناب الكبائر.
1- حسن الخلق والسؤال عن الزوج أو الزوجة بين الجيران والأصدقاء وزملاء العمل والدراسة والمحيط.
 البر، المعاملة، صلة الرحم، الخُلق الحسن، التواصل اللفظي والتعاملات المالية، اللباقة وحسن التصرف في المواقف.
هذا دين وحسن خلق فمن لا يتقي الله في المسلمين لن يتقي الله فيكِ.
2- القبول: من حيث الشكل والعاطفة. لا يكفي حسن الخلق.
هذا الإنسان ستبقى معه ليلاً ونهاراً أعواماً عديدة، ستنجب منه أجيالاً، فإذا لم تقبل الشكل والعاطفة فلا تتردد في الرفض.
3- الشخصية: لابد أن تكون شخصية الزوجين مستقلة.
وتكون الاستقلالية بالقدرة على اتخاذ القرارات بنفسه، دون الرجوع للوالدين، الأصدقاء، وعدم التفاهة وقلة العقل، وأن يكون له قدر من الخصوصية فلا يبوح بكل شيء لأهله، من لا تكون له شخصية مستقلة متعبٌ في التعامل وضعيف في القرار ويسهل التلاعب به.
قد يفسر البعض هذا بالبر لكنه ليس كذلك. حياتكما تخصكما، ومخالفة الوالدين في هذا الجانب ليس عقوقا.
4- أداء الفرائض واجتناب الكبائر:
ومعيارها أداء الفروض وصلة الرحم، غض البصر، وأن لا يأمر بحرام أو يمنعك من أداء الفروض الشرعية.
هذا الدليل يساعدك على معرفة الاختيار الصحيح بإذن الله، ومعرفة بعض الأسئلة التي يمكن للخطيبين أن يسألانها لبعضهما والاتفاق عليها قبل الزواج.

الاستخارة

من أدب الاستخارة أن تفعلها باستسلام يجعلك تقدم صادقاً لله تعالى، (إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم)، وتذكر نفسك ( واقدر لي الخير حيث كان)، وتهيء نفسك (ثم ارضني به)
أي تدخل صلاة الاستخارة بعد أن أخذت بالأسباب الدنيوية كلها، وهيئت قلبك لقبول الأمر الكامل، فتصلي ركعتين وتسجد وترفع الدعاء لله تعالى.
صلاة الاستخارة لا تعني رسائل من الله، ولا يشترط أن ترى رؤى أو تسمع هاتفاً يدلك على الاختيار الصحيح،
بل هي تبصير من الله لك بما يصلح لحياتك، وينير لك الطريق فلا تفعلها وأنت مائل تجاه شيء أو مركزاً على فكرة وتلح بأنك تريدها دون التسليم المطلق لله بالقبول بما يييسره.
مادمت أخذت بالأسباب واستخرت الخالق واستشرت المخلوق، فثق تماماً فأنك في طريق الاختيار الصحيح، وإن أصابك ابتلاء فتذكر أن أصل الابتلاء ثابت في هذه الحياة وثق بأن الله سيرزقك الشكر في النعمة ويلهمك الصبر في الابتلاء ليرفع درجاتك في الآخرة ويخفف من خطاياك، وتعلم أنه ما ابتلاك إلا أنه يحبك وعالم بما يصلح لك.
#أسماء_الجراد

مشاركة المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إن كان لديك أي مشكلة أو استفسار أو سؤال يمكننا مساعدتك فوراً عبر التواصل سجل اسمك ورسالتك : ​

Contact Form Demo