هل الغربة سبب من أسباب الطلاق ؟

حين تزوجا كان كافياً لها، كانت حياتهما مستقرة وكانت ربة بيت وأم وزوجة ناجحة، لم يكن لها أي طموح آخر سوى أن تعيش بسلام وأمان..
وكان رجلاً يجتهد في عمله نهاراً ، ويوفر لأسرته احتياجاتها بقدر استطاعته ويقضي ماتبقى من وقته مع أهله وأصدقائه..

بدأت الحرب وانتقلا معا في رحلة قاسية نحو بلد اللجوء، حيث فقد الزوج مركزه الاجتماعي في المجتمع (باختلاف المنصب والمهن وتغير الحالة الاقتصادية فلم يعد الباشمهندس ودكتور فلان بل اضطر أن يعمل في خدمات التوصيل أو في المصانع والمهن الصغيرة) وتغير موقعه في العائلة فأصبح بقاؤه في البيت أطول، وفقد الصحبة والعائلة التي تراه مميزاً ورائعاً وتعطيه المكانة الاجتماعية بالوجاهة والاهتمام.
ولم يكن بوسعه التأقلم على واقع المجتمع الجديد من تعلم اللغة ومواكبة التغير الاجتماعي والفكري وعدم القبول بتغير وضع العائلة ..

وحين تجد الزوجة أن الأمور بدأت بالتفاقم حول أسرتها، فضعفت الماديات وقلّ المستوى الدراسي للأبناء وكثُرت متطلبات الحياة الجديدة، أخذت على عاتقها العمل والاندماج في المجتمع الجديد، فتعلمت اللغة سريعاً واستطاعت معادلة شهادتها أو اكتساب مهارة أو فتح مشروع تكسب منه رزقاً..
وأصبحت مضطرة للتواصل مع أهالي الأطفال في المدرسة والمعلمات والبلدية وشؤون اللاجئين، إضافة لاستلامها معونة من الدول المانحة تساعدها على العمل والدراسة والإنفاق الجيد..

يبدأ حينها الصراع الزوجي الذي يرفض فيه الزوج التأقلم والاندماج وسرعة التعلم ويريد أن يبقى مستمراً في مركز القيادة والتحكم .. ويريد العودة للمنزل بعد نهار طويل فيجد ماكان يجده من قبل من الترتيب والتنظيف والاهتمام والرعاية، ويريد أن يستلم جميع مبالغ الإعانات وراتب الزوجة فيقدمها لهم كمتفضل عليهم و يعطي شطراً منها لأهله ليساعدهم مادياً..

وهي بدأت بالنظر إلى نفسها بمنظر مختلف، فلم تعد ربة بيت فقط ، بل أصبحت تجلب نصف دخل الأسرة وهي تعمل أكثر منه في المنزل ومع الأولاد وفي التواصل مع المجتمع والحكومة وتسيير أعمال الأسرة ..
وأصبحت مجهدة من كثرة النقد والتحكم والسلطة والتضييق المادي وقلة العطاء النفسي والعاطفي الذي يمارسه وعدم قدرته على تغيير نظرته لها ومواكبة تطلعاتها وأحلامها ..
هذا إن لم يتحول كعالة عليها ممارساً ذات السلوكيات القديمة التي كان يفعلها حين كان في بلده (من الجلوس الطويل على الأجهزة الالكترونية وملاحقة النساء) أو اكتسب بعضاً من صفات المجتمع الجديد السلبية (كترك الصلاة وشرب الخمر أو الإلحاد أو عدم الانضباط مع الجنس الآخر) ..
لذلك ترى الزوجة أن العلاقة لم تعد منصفة وكافية ومشبعة ومرضية لها..
وتجد ازدواجية في التعامل بين حرمانها من القيام ببعض الأشياء كالسفر والخروج والاختلاط بينما هو يمارسها بأريحية ..
وتجد أنه لم يكتسب أي مهارة أو قدرة على قيادة الأسرة إلى بر الأمان ..

لذلك يصل الأمر بها إلى أن تضيق ذرعاً بالعلاقة وتؤثر الخروج منها ..
فعلى الأقل
-ستستلم الإعانة بيدها وتستطيع إنفاقها كما تشاء وتكون قادرة على الاستثمار فيها وتهيئة مستوى اجتماعي ومادي أفضل حين علقت في عدم القدرة على العودة للبلد وعدم القدرة على مواكبة الاحتياجات المادية المتغيرة.
– لايوجد من يتسلط عليها ويتحكم بها ويتهكم عليها أو يكثر من انتقادها ويحاسبها على كل صغيرة وكبيرة.

– تتخلص من بقاء الأب الطويل في المنزل الذي لافائدة ترجى منه سوى الخلافات والإزعاج وإيذاء الأبناء أو عدم المساعدة فيهم أو تعليمهم سلوكيات خاطئة.

– لن تشعر بأنها سيئة ومقصرة ومذنبة ومحقة وكفارة العشير طوال الوقت وملعونة من الملائكة كل ليلة.

– لن تخاف من فكرة أن يعيدها فجأة للبلد أو يطلقها أو يجلب لها المزيد من المتاعب كإحضار أهله أو التخلي عنها أو أخذها نحو المجهول.

لذلك ..
هل عرفتم لماذا تنفصل النساء حين تصل للنصف الآخر من الكوكب؟

وهلّا تعلمت الأسرة طرق تغيير النفس وتطويرها للتأقلم مع الواقع الذي تعيشه قبل أن تصل لمفترق الطرق؟

وهلّا تدربا على تغيير طرق الحوار وفهم الحقوق والواجبات، ومعرفة كل فرد لدوره ومسؤولياته الجديدة بدل أن يجد نفسه الخاسر الأكبر في العلاقة..

هذه قصة آلاف الأسر التي نشاهدها ونسمعها يومياً ونلقي باللوم على المرأة فنشيطن سلوكها وننسى كل السلسلة التي أودت بها إلى هذا القرار..

أعان الله الأسرة المسلمة في كل البلاد. وأعان الله النساء على مايلاقين من معاناة ومشقة في بلاد الاغتراب.

مشاركة المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إن كان لديك أي مشكلة أو استفسار أو سؤال يمكننا مساعدتك فوراً عبر التواصل سجل اسمك ورسالتك : ​

Contact Form Demo