المرغوب والمتاح

عدد المشاهدات الكلي 2,069 , عدد المشاهدات اليوم 2 

المرغوب والمتاح هناك فرق شاسع بين المتاح والمرغوب.. فالمتاح هو الأمر الواقعي الذي يجب التعايش معه وتقبله واحتماله والصبر عليه أما المرغوب فهو الأمنيات والأحلام الوردية والرغبات التي قد يتحقق جزء منها وقد لاتتحقق مطلقاً. كثيراً ما نصاب بالخيبة والحسرة والاكتئاب لأن المتاح يتصادم مع المرغوب تحلم بالزواج من فتاة مثالية ورائعة … وتجد نفسك ذات يوم مع فتاة عادية وليست فيها ربع المواصفات التي تخيلتها ( ليس لأنها ضحكت عليك) بل لأن أحلامك كانت فوق المتوقع ( وخيالية زيادة عن اللزوم) ذات الفكرة تنطبق على الزوج ( تحلمين بالجامعة / بالسفر / بالعائلة / بالأبناء) وتصطدمين بالواقع مشاكل لا حصر لها صراعات خلافات اختلافات نفسية وفكرية كل هذا بسبب الفجوة بين المتاح والمرغوب.. وجودي في مكاني هذا هو المتاح رغم أن رغبتي في مكان آخر. أولادي يدرسون في مدارس عادية هو المتاح بينما رغبتي لا تقدر عليها ميزانيتي. أعمل في وظيفة ما لأنها المتاحة لمثل وضعي وليس لأنني أرغب فيها حقاً. ضع هذه العبارات أمامك وتذكر أنك إن حققت 20% من قائمة المرغوب فأنت محظوظ جداً ولن يصل أحدٌ إلى إتمام قائمة أحلامه البتة. أيهما أفضل أحيانا يكون المتاح خير من المرغوب وأفضل منه قد تحصل في واقعك على امتيازات كثيرة إن نظرت إليها بعين الشكر وجدتها نعم وإن نظرت لها بعين السخط ستعدها من النقم. حدث هذا حين كنت أتابع حالة فتاة من كندا تجلس أمام البحيرة وتندب شخصاً خانها. لم أستهن بحزنها أبداً ولكنني أخبرتها أنها تعيش في أحلام الآخرين وأن ما حولها يعادل كثيراً مما يتمناه غيرها بيت جميل وسيارة فارهة وصغار من المفترض أن تكون سعيدة بوجودهم يكفيها سعادة حين تلاطف صغارها وتتنزه معهم وتنال حرية مطلقة تعيش بها في رخاء فلا يكدر خاطرها انقطاع كهرباء ولا نقصان الماء ولا تسمع قيل وقال ولا كثرة السؤال ولا يهمها إضاعة المال ولا مستقبل العيال المهم أنها استمعت لنصيحتي وأفاقت بعد غيبوبة طويلة علمت بأن المتاح كان خيراً لها وأفضل من بقاءها في أحلامها فتضيع نفسها وما بيدها من امتيازات وتفقد حب صغارها والتلذذ بالحياة معهم . التجربة خير برهان إذا لم تجرب قدراً معيناً من الأمور ( المتاحة) لن تعرف الرغبات الحقيقية. ماذا سيعرف طفل صغير أي نوع من الطعام هو الأفضل له؟ إنه سيختار الأكثر ألفة بالنسبة له ولا يهمه (قيمة الطعام) ولا شكله ولا ( الشيف الذي صنعه) كلما ازدادت خبرة الطفل في الحياة كلما عرف الفرق بين أن تقدم له الاستكوزا أو البيتزا وأصبح المرغوب له أعمق وأكثر وضوحاً لأنه اختبر ذائقته وطور حواسه وازداد معرفة في الاختيار. شاب يتخرج من بلده في كلية عادية وبعد أن يتعلم ويختلط بالمجتمع وتتاح له فرص التعرف والتواصل يكتشف أن لديه قدرات ممتازة في الإقناع والحوار فتحت الكلية القديمة له ( نافذة للخروج من بلده والعمل في بلد آخر يشجع المواهب كما راكمت مهنته السابقة دائرة معارف جيدة سهلت له طريقه للوصول إلى إدارة قناة عالمية ) أتيحت له فرصة وافقت رغبته ( الجديدة) في حين لو أنه اكتشف أنه ( محاور جيد) في بلده وتخصص بهذا المجال فلن يكون منصبه أبعد من مقدم في الإذاعة المحلية أو قارئ للنشرة الجوية. جرب واطلع واقرأ وتعرف على أكبر قدر من الأمور المتاحة لتعرف ماهي ذائقتك ورغباتك فتستطيع الاختيار الصحيح. المشاهدة والمقارنة كنت كلما شاهدت إحدى العائلات النموذجية ( التي ربت أبناءها بطريقة رائعة كما أظن وأنتجت نماذج مجتمعية متميزة) أعود ساخطة على عائلتي أتهمهم بأنهم حجر عثرة في طريق نجاحي وأنهم لم يفعلوا كما فعل بيت فلان وفلان لأولادهم. تمنيت أن أكون ابنة لعائلات أخرى وفعلت ذلك حقاً حين أبحث عن عائلة بديلة حتى وجدت ظاهر تلك العائلات الروعة والتفاهم وباطنها فيه الكثير من التفكك والتشرذم والدلع والتراخي وعدم المسؤولية . – لا أنكر أن بعضهم كانت أسرهم جيدة وذات تربية ممتازة ولكن علي أن أتعلم منهم ولا أطالب غيري بتحقيقه – وأدركت بعد حين مسؤوليتي عن أفعالي بدل أن أتحسر على ما فعله لي الآخرون. بدأت بامتلاك الخبرات المتاحة لي وبذلت جهدي في التعلم والتدرب والبحث والإطلاع وأخرجت نفسي من دائرة الحجر الجاثم على صدري ( لا أقدر / لا أستطيع / أهلي هم السبب) وكلما ازدادت الخبرات عندي كانت تتأكد لي أن المخرجات واحدة تقريباً و متشابهة. بل أصبحت أحياناً أستعيذ بالله مما يحصل معهم ولهم لما أرى سوء التصرف وحماقة الأفعال. عدت لعائلتي وأنا ممتنة بأن هذه الأقدار المتاحة ( خير لي من المرغوب) وأن الظروف الصعبة التي مررت بها والتجارب التي ظننتها مؤلمة هي التي صقلت شخصيتي ودفعتني إلى الاستقلال والتقدم نحو ( المرغوبات الحقيقية) التي أصبحت أدركها جيداً وأتحفز لها ومستعدة للقتال من أجلها. خيالات وأمنيات -في إحدى مسوداتي القديمة كتبت قبل إنجابي لولدي أن رغبتي فيه هي تحفيظه القرآن الكريم قبل إتمامه سن العاشرة، وكانت رغبتي أيضاً أن أعلمه لغتين والسباحة والرماية وركوب الخيل. الحمد لله رزقت بالطفل ولكن المتاح في الواقع لم يحقق لي اليوم أي من هذه الرغبات فولدي له قدرات وممتلكات لا يمكن أن أتحداها وأعصرها لكي أجعله يحقق ( رغباتي وأمنياتي) تذكرت كثيراً حين كنت أضغط عليه في وقت ما لكي يحفظ ويتعلم بسرعة ويتقن القراءة والكتابة وأدرسه الإنجليزية وأحاول أن أسابق به الزمن حتى علمت أنني أسيء لولدي تربوياً وأغرس فيه ( عقد نفسية) جراء رغباتي الشخصية تخليت عن أمنياتي واكتفيت بأن يحفظ جزئين ويتقن العربية تحدثا وكتابة ولا يعرف أن يسبح إلا بالطوافات ولايزال يقود الدراجة بعجلات المساعدة. وأنا سعيدة به ولأجله ومعه خيارات صعبة ربما علينا أن نختار أحد المرغوبات ونتنازل عن الآخر طوعاً أو كرها. ربما السبب أنه لا يمكننا التوفيق بين رغبتين يقول المثل السوري عن شاب يحب أمه وهي في بلد ويريد العيش في مدينة حلب ( تريد أمك وتريد حلب) وأنت في أمورك كلها عليك أن تختار بين الأولويات المرغوبة كما قد تتعارض الرغبات وتقف حائراً في مفترق طريق وعر خصوصاً لو تخير بين أمرين أحلاهما مرّ / البقاء مع عائلتك في وضع مادي سيء أم العمل في وظيفة بعيدة وحيداً لتأمين حياة مادية أفضل البقاء في بلدك مع ما فيه من مشاكل وصعوبات أم تحمل نيران الغربة في بلد آخر. البقاء مع زوج سيء أم الحرمان من الأطفال. أمور يحددها الزمان والمكان والتفضيلات الشخصية لكل إنسان إلا أنني متأكدة أنه لن تحصل على مكاسب ما حتى تدفع ثمنها بشكل أو بآخر وأنت وحدك من تحدد أولوياتك وأهون على نفسك معايشته وتقبله ( ظل الراجل أم ظل الحيطة). لا تبك على اللبن المسكوب المرغوبات أحياناً تتمثل في صورة ( الراحلون المرغوبون). وكما يذكر غالبية الناس الخير عن موتاهم البشر فهم يتحسرون كثيراً على مافقدوه من بعض النعم حين يعتبروها من المرغوبات ( وعسى أن تحبو شيئا وهو شر لكم) في سورة الكهف يحكي الظاهر طفل صغير سيكبر باراً وحنونا) لكن الواقع ( فأراد ربك أن يبدلهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما) يبدو أن الحديث سهل جداً لكن تطبيقه صعب المحافظة على المرغوب ليس المهم أن تصل للمرغوب الأهم أن تحافظ عليه يجدّ الطالب في مذاكرته طوال مكوثه على مقاعد الدراسة ويتفوق حتى ينجح في الثانوية ويدخل التخصص الذي طالما حلم به وبعد أن حقق المرغوب يبدأ في التراخي والتأخر واللعب والتلاعب حتى يفشل في إكمال دراسته الجامعية. تسعى الفتاة جاهدة للحصول على زوج مناسب وبعد عدة أعوام تفشل في التعامل معه وتخسره ( بقلة وعيها وسوء تعاملها). يحب فتاته ويتفانى في طلبها حتى تكون له ثم يبدأ بالتفريط فيها وإزعاجها و إهمالها. تتمنى أطفالاً حتى تحصل عليهم ثم تتململ منهم وتتذمر من مسؤوليتهم حافظوا على رغباتكم واستديموا وجودها بالشكر وقدروا قيمة مرغوباتكم التي حصلتم عليها . هل كل ممنوع مرغوب ليس كل ممنوع مرغوب جبلت النفوس البشرية على حب الاستطلاع واقتحام كل حصن والوصول لكل قلعة ويتلذذ بعضنا بهذه الصعاب فيرددون ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر في حين يظن أحدنا أن الحياة غابة ومعركة ولابد أن يأكل القوي الضعيف وأن يسيطر أحدنا على الآخر وأن كل عسير لابد أن يكسر ومن لم يكن ذئباً ستأكله الذئاب حتى يوقعون أنفسهم في مشاكل كثيرة جراء الاندفاع وراء هذه الاعتقادات.. ربما علينا أن نلتزم أحياناً بالقواعد البسيطة دون كثير جدال ودون الخوض في كل فكرة ( ليش ولماذا وكيف واقنعوني) قد يكون الممنوع حقاً غير مفيد ولايصلح لك فلماذا يصر بعضنا على جعل حلقة الممنوع هي كل شيء ( هذا كخ) / ( هذا سيحرقك) ترك الصلاة ذنب عظيم الاستماع لفلان سيفسد دينك و ربما آخرتك كلما ذكرت لطالباتي البالغات مثالاً عن أمور سيئة بسيطة فأحذر من التدخين أو المخدرات أو الانتحار تأتيني طالبة فتقول ( أستاذة جربت ولم أشعر بما تقولونه ) فأتعجب من تصرفاتها الغريبة تذكرت نصيحة بعض المعلمات (لاتخبريهن بكل شيء فقد يجربن الممنوع بنية الاكتشاف) يطلبن أن نعاملهن كبهائم في حين أن بعضهن غارقة في المصائب تحتاج للتوعية والتصريح الحقيقي لكن حماقة صديقتها تمنع المعلمات من التصرف معهن كراشدات يتحملن مسؤولية تصرفاتهن ويحاولن حمايتهن من طيش أنفسهن. خيارات الأبناء خيرت ولداي بين أمرين فاختارا الذي أكرهه و لا أطيقه وقررا المضي به وحين فعلا ذلك عدت إلى نفسي وانغمست في دوامة من الحزن وبدأت بلومهما في قلبي وتراكمت علي مشاعر غضبٍ شديدة لم أفق منها إلا على صوت يقول لي / أنت جعلت القرار بيدهما فلم تستنكرين حين اختارا رغبتهما ولم يختارا ميل ذاتك ولولا أنك ربيتهما على حرية القرار والاختيار أو قمت بقمعهما نفسياً وابتزازهما مادياً لكانا اختارا رغبتك ولكنت وقتها الخاسرة وإن بدا لك انتصارك باللذة القريبة التي تجعلك سعيدة على حساب كسرهما وتقييدهما لكنك قمت بفعل الصواب حين فعلت وستفعلين الصواب الأكبر حين تقررين عدم لومهما على قرارهما وتستمرين بتربيتهما أحراراً لا منساقين خلف عواطفك أو ابتزاز أي أحد نسبة الندم في كل قرار هناك نسبة من الندم قد تتراوح بين ١٠٪ إلى ٩٠٪ لأنه لا يوجد قرار مثالي وصحيح ١٠٠٪ مهما حاولت وبذلت جهدك. – دراسة القرار – استشارة العقلاء – الاستخارة – التوكل على الله – الرضا بالقدر تقلل من نسبة الندم لاحقاً وتقطع الحسرة في (ماذا لو فعلت)؟ فتجيب نفسك : لقد بذلت جهدي وأخذت بالأسباب قدر الإمكان ولم يعد بالإمكان أفضل مما كان.

مشاركة المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إن كان لديك أي مشكلة أو استفسار أو سؤال يمكننا مساعدتك فوراً عبر التواصل سجل اسمك ورسالتك : ​

Contact Form Demo